زينب و زوجة القاضي

مشاهدة
أخر تحديث : الأربعاء 7 أكتوبر 2015 - 10:39 صباحًا
زينب و زوجة القاضي

عندما تناقلت وسائل الإعلام خبر التعذيب الوحشي الذي تعرضت له الطفلة الخادمة زينب أشطيط، راعني ما عانته هذه الصبية من صنوف العذاب، واقشعر بدني وأنا أرى آثار الجروح والحروق على جسدها الغض..

بكيت لبكاء زينب وهي تسرد بألم حكايتها المرعبة، واجتاحني غضب عارم ونقمة على القاضي.. وزوجة القاضي.. ووالد زينب.. وأم زينب.. لعنت الفقر الذي يجبر آلاف العائلات المغربية على تسخير فلذات أكبادها للعمل مقابل دراهم معدودة وفي ظروف لاإنسانية، وقرأت الفاتحة ترحما على القانون الذي ينص على عدم تشغيل القاصرين ما دام أصبح منتهكوه هم رجال القانون أنفسهم!

أصبحت مأساة زينب قضية رأي عام جاوز صداها حدود الإعلام المغربي، ونالت دعما شعبيا واسعا ومساندة من عدة جمعيات حقوقية ومحامين بارزين، فالجاني هنا ليس شخصا عاديا، بل رجل قضاء كان المفروض عليه أن يطبق القانون ويحميه، لا أن ينتهك حرمته.

الكل صدق رواية زينب وكذب القاضي، فالصغيرة حجتها موشومة على جسدها الطري، لكن، هل ما قالته هو الحقيقة؟! كل الحقيقة؟!

تناثرت الأسئلة في ذهني وأنا أتأمل أقوال زينب، ولا أدري لماذا شعرت أن في كلامها حلقة مفقودة؟! سؤالا بلا جواب! أو بالأحرى بلا جواب مقنع!

لماذا تعرضت زينب إلى هذا التعذيب الوحشي؟!

ماهو هذا الدافع البشع الذي جعل مشغليها يذيقونها ألوان العذاب؟!

لماذا زوجة القاضي، والتي كانت طيبة حسنة المعاملة بشهادة زينب نفسها، تتحول فجأة إلى جلاد رهيب؟!

زينب تقول أنهم اعتبروها منحوسة! أهذا كل ما في الأمر؟! لا أظن! هنا بالضبط لم أصدق زينب!! شعرت أن الأمر أكبر بكثير من التطير و التشاؤم، وإلا لكان الحل هو الاستغناء عن خدماتها لطرد النحس وانتهى الأمر.

تطورت مجريات الأمور، وخرج القاضي عن صمته وصرح أن زوجته أخبرته بعد أسبوع على سجنها، بأن زينب كانت تقوم بممارسات جنسية على بناتها، وأنها وجدت قطرات دم في تبان إحداهن وقامت بعرضها على طبيبة أكدت لها حدوث التهابات في الجهاز التناسلي لصغيرتها، وأنها، أي الزوجة، فعلت ما فعلت في لحظات غضب وأن سبب إخفائها الأمر عليه هو خشيتها من ردة فعله…

استخف دفاع زينب بتبريرات زوجة القاضي بحجة أن زينب لم تبلغ المحيض بعد ومن المستحيل أن تكون لها رغبات جنسية! ولعمري هذا ضرب من المزايدة، فكم من أطفال تعرضوا لهتك العرض على يد أطفال من مثل سنهم! وكم من صغار ضبطوا في ممارسات جنسية استلذوا طعمها دون معرفة ماهيته! وكم من صغيرات يداومن العبث بأعضائهن الحساسة أو يمارسن العادة السرية…

صدقت زوجة القاضي.. وتصديقي لها لا يعني رضاي عما فعلته..

صدقتها لأنني أدرك متى تكون الأم في أقصى عدوانيتها وشراستها.. متى تكون متوحشة، فاقدة الإدراك، غير مبالية بالعواقب.. تكون كذلك إذا تعلق الأمر بخطر محدق أو أذى شديد مس أو قد يمس فلذة كبدها.

ما تعرضت له زينب فاجعة بكل المقاييس، لذا سيقول قائل: كيف تجرئين على إعطاء مبررات لجريمة شنعاء؟!

زوجة القاضي أجرمت، لكن ليس من الإنصاف تناول جرمها دون الحديث عن الدافع وراء هذا الجرم و هو بشاعة ما تعرضت له ابنتاها، هاتان الضحيتان المنسيتان واللتان يبدو أن جمعية متقيسش ولدي لم تجدهما أهلا للاحتضان!! وكأنهما ليستا طفلتين بريئتين تعرضتا لما من شأنه تدمير مستقبليهما؟!

لكل منا، ولكل أم على وجه الخصوص، أن تضع نفسها مكان زوجة القاضي، ماذا كان سيكون رد فعلها؟ وهل كانت ستخبر زوجها؟

طرحت هذين السؤالين على 11 أما، كل واحدة على حدة. كلهن وبلا استثناء أكدن أنهن كن سيلحقن الأذى بالفاعل أيا كان، 9 منهن قلن أنهن ما كن ليخبرن الزوج، فأول ما سيفعله هو إلقاء اللائمة على الأم واتهامها بالإهمال وتطليقها، وكن سيتكتمن عن الأمر برمته حماية لبناتهن من مجتمع لا يرحم، فالعار سيلحقهن حتى وإن كن لا ذنب لهن…

وهنا يطرح تساؤل آخر: هل كانت زوجة القاضي صادقة أيضا حينما أكدت أن زوجها لم يكن له علم بما فعلت وأنها كانت تخفي الأمر عنه؟

أظن أنها لم تخبره حقا، فما كانت لتجرؤ، لأنه كان سيحملها المسؤولية بالدرجة الأولى، وهذا ما يفعله الأزواج عادة إذا أصاب أبناءهم أي مكروه، ولكم أن تسألوا الزوجات!

إذن هل كذبت زينب أيضا عندما اتهمت القاضي بمشاركة زوجته في تعذيبها؟! احتمال وارد، فهناك تضارب في أقوال زينب، فمثلا في واقعة صب الزيت على جهازها التناسلي، وهو أبشع ما تعرضت له وبالتالي لا يمكنها الخلط في من فعلها، نجد أن زينب كانت في البداية تؤكد أن الزوجة هي الفاعلة لكنها اليوم تقول أن القاضي هو الفاعل؟!

الكثيرون قالوا أن زينب طفلة، والأطفال لا يكذبون!! وهذا قول مردود عليه أيضا، فكلنا كنا أطفالا، وكم كذبنا كذبا يعجز الكبار عن الإتيان بمثله! وكم ادعينا ملكية أشياء واستولينا عليها دون توبيخ ضمير! اذهبوا إلى المدارس واسألوا عن عدد التلاميذ الذين يدعون كذبا أنهم تعرضوا للضرب على يد معلميهم؟! وعن الصغار محترفي الكذب، الذين يكذبون دون أن يرف لهم جفن…

حكم على زوجة القاضي بثلاث سنوات سجنا ناهيك عن الغرامة.

مؤازرو زينب لم يرضهم هذا الحكم ووجدوه مخففا، نسوا أن الأمر يتعدى السجن، فأفظع من السجن أن أسرتها تشتتت.. وضعت وليدها خلف القضبان.. بعيدة عن فلذات أكبادها.. عن صغيرتيها المحتاجتين، وأكثر من أي وقت مضى، لحضن أمهما.. وفوق كل هذا شوهة ستلاحقها وأبناءها مدى الحياة…

والله ما آلت إليه هذه الأم مدعاة للشفقة والعطف!

أحيانا أشعر أن هناك الكثير ممن استغل ويستغل قضية زينب كمطية للشهرة أو تصفية حسابات أو نكاية في جهاز القضاء، وأن صحفا جعلت من مأساة زينب، وصور زينب وسيلة لزيادة مبيعاتها، أما حملة التشهير و التشويه الواسعة وغير المسبوقة التي تعرضت لها أسرة القاضي فهي بحق أقسى من أي عقوبة قد يطالب بها دفاع زينب.. الكل نصب نفسه قاضيا.. قاضيا و جلادا…..

رابط مختصر

اتـرك تـعـلـيـق 0 تـعـلـيـقـات

* الإسم
* البريد الألكتروني
* حقل مطلوب

البريد الالكتروني لن يتم نشره في الموقع

شروط النشر:

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة جريدة الخــــبر - أسبـــوعية - وطنيــــــة - مستقلـــــة الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.